الشيخ خالد حسن يكتب.. رمضان شهر الانتصارات
السبت، 28 فبراير 2026 12:41 م
الشيخ خالد حسن
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ،، وبعد ..
لقد شهد هذا الشهر الكريم انتصارات عظيمة مما يجعلنا نعلم جيدا أن شهرَ رمضانَ شهرُ الجدِّ والعملِ، ولنا في رسولِنا ﷺ الأسوةُ والقدوةُ، فكانَ يجتهدُ في رمضانَ ما لا يجتهدُ في غيرِهِ، فكانَ يجمعُ بينَ العملِ والعبادةِ. وإنَّ من ينظرُ إلى واقعِنا المعاصرِ يجدُ أنَّ معظمَ الشبابِ – إلا من رحمَ اللهُ – يظنونَ أنَّ شهرَ رمضانَ شهرُ كسلٍ وخمولٍ وراحةٍ وهدنةٍ من العملِ، فهم يسهرونَ ليلَهم في فراغٍ مغبونٍ، ويقضونَ يومَهم نيامًا، وهذا مخالفٌ لما كانَ عليهِ هديُ نبيِّنا ﷺ. كما أنَّ شهرَ رمضانَ شهرُ الانتصاراتِ، فمعَ مرارةِ الجوعِ والعطشِ ترتفعُ درجةُ التقوى للهِ، ويضرعُ الجنودُ والمقاتلونَ إلى اللهِ بالدعاءِ؛ لأنَّهم في هذهِ الحالِ أقربُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. فهذهِ غزوةُ بدرٍ، أعظمُ المعاركِ، يتركُ حبيبُنا ﷺ الصفوفَ ويتوجَّهُ إلى ربِّهِ متضرعًا، مبتهلًا، داعيًا، سائلًا، واقفًا على أعتابِهِ، لائذًا ببابِهِ.
فعَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [ الأنفال: 9] فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ، قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ؛ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ”.(مسلم).
ففي رمضانَ من السنةِ الثامنةِ من الهجرةِ كانَ فتحُ مكةَ، وفي هذهِ الغزوةِ انتصرَ الإيمانُ، وعلا القرآنُ، وفازَ حزبُ الرحمنِ، ودُحرَ الطغيانُ، وكُسرتِ الأوثانُ، وخابَ حزبُ الشيطانِ.
وفي رمضانَ عامَ (658هـ) كانتْ معركةُ عينِ جالوتَ التي أعزَّ اللهُ فيها المسلمينَ بقيادةِ الملكِ المظفرِ قطزَ، الذي لجأَ إلى اللهِ بالدعاءِ والتضرعِ، يقولُ عنهُ ابنُ كثيرٍ في «البدايةِ والنهايةِ»: «ولمَّا رأى عصائبَ التتارِ قالَ للأمراءِ والجيوشِ: لا تقاتلوهم حتى تزولَ الشمسُ وتفيءَ الظلالُ وتهبَّ الرياحُ، ويدعو لنا الخطباءُ في صلاتِهم». فاستجابَ اللهُ دعاءَهُ وهزمَ المغولَ، ووقعوا بينَ يديهِ ما بينَ قتيلٍ وجريحٍ وأسيرٍ، بل وقعَ بينَ يديهِ قائدُ المغولِ فقتلَهُ تنكيلًا بهِ جزاءَ إجرامِهِ في قتلِ المسلمينَ. وليسَ حربُ العاشرِ من رمضانَ، السادسِ من أكتوبرَ 1973م مع الكيانِ الصهيونيِّ عنا ببعيدٍ، فكانتْ كلمةُ «اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ» مدويةً تُزلزلُ صفوفَ العدوِّ، وتهزُّ أرضَ المعركةِ، حتى كانَ النصرُ حليفَ المسلمينَ. إذا كانَ اللهُ قد أنعمَ عليكُم بنعمةِ الأمنِ والأمانِ والاستقرارِ ونحن في دارِ أمنٍ وأمانٍ، فإنَّ أعظمَ نصرٍ نحققُهُ في هذا الشهرِ الفضيلِ هو الانتصارُ على النفسِ والشيطانِ، لأنَّ الحربَ معهما قديمةٌ متجددةٌ إلى قيامِ الساعةِ، لذلك ينبغِي على العبدِ أنْ يغتنمَ فرصةَ تقييدِ الشياطين في شهرِ رمضانَ، حتى يظفرَ بالنصرِ عليهم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:”إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ؛ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ؛ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ”. فعلَى الصائمِ أنْ يجاهدَ نفسَهُ، وأنْ يقلعَ عن الذنوبِ والمعاصي التي اعتادَ عليها قبلَ شهرِ رمضانَ، فمن كان مُصِرًّا على قطيعةِ الرحمِ، أو أكلِ الحرامِ؛ أو السرقةِ، أو الزنا، أو تركِ الصلاةِ … أو غيرِ ذلك مِن المحرماتِ!! عليه أنْ يسرعَ بالتوبةِ والإنابةِ والرجوعِ إلى اللهِ، حتى يتنصرَ على نفسهِ والشيطانِ وهذا هو أعظمُ النصرِ في هذا الشهرِ الفضيلِ ..
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا.. وبلغنا رمضان..
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
التوكل على الله، مفتاح الرضا والنجاح في الدنيا والآخرة
04 مارس 2025 12:41 ص
الأكثر قراءة
من تتوقع أن يفوز ببطولة السوبر المصري؟
-
الأهلي
-
الزمالك
أكثر الكلمات انتشاراً