الشيخ خالد حسن يكتب.. فأما اليتيم فلا تقهر
الجمعة، 03 أبريل 2026 05:25 م
الشيخ خالد حسن
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وبعد ، لقد كفل الإسلام الحقوق بل وأمر بالعناية بها والمحافظة عليها ، ومن ذلك كفل حق اليتيم، لقد اعتنَى الإسلامُ عنايةَ بالغةً باليتيمِ؛ لأنَّ اليتيمَ فقَدَ جهةَ الحنانِ والعطفِ والشفقةِ.
واليتيمُ في كتبِ اللغةِ هو: الفردُ مِن كلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ يَعِزُّ نَظيرُهُ، يُقالُ: بيتُ يتيمٍ، وبلدُ يتيمٍ، ودُرةٌ يتيمةٌ.
واليتيمُ مِن الناسِ: مَن فقَدَ أباهُ، ومِن البهائمِ: مَن فقَدَ أمَّهُ؛ وذلك لأنَّ الكفالةَ في الإنسانِ منوطةٌ بالأبِّ، فكانَ فاقدُ الأبِّ يتيمًا دونَ مَن فقدَ أُمَّهُ، وعلى العكسِ في البهائمِ؛ لأنَّ الكفالةَ منوطةٌ بالأمِّ؛ لذلكَ مَن فقَدَ أُمَّهُ كان يتيمًا، ويستمرُ اليتمُ حتي البلوغِ، فاليتيمُ عندَ الفقهاءِ هو مَن فقَدَ أباهُ ما لم يبلغْ الحُلُمَ، فإذا بلغَ الحُلُمَ زالَ عنهُ اليُتمُ؛ لذلكَ قالَ النبيُّ ﷺ: " لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ".( أبوداود بسند صحيح ).
ولقد اهتمَّ الإسلامُ اهتمامًا كبيراً باليتامَى؛ لأنَّهُم جيلُ الأمةِ وأملُ المستقبلِ، ومِن العواملِ الأساسيةِ في انحرافِ الولدِ مصيبةُ اليتمِ التي تعترِي الصغارَ وهم في زهرةِ العمرِ، فهذا اليتيمُ الذي ماتَ أبوهُ وهو صغيرٌ إذا لم يجدْ اليدَ الحانيةَ التي تحنُو إليهِ، والقلبَ الرحيمَ الذي يعطفُ عليهِ، فلاشكَّ أنَّ هذا اليتيمَ سيدرجُ نحو الانحرافِ ويخطُو شيئاً فشيئاً نحو الإجرامِ، لذلكَ حثّنَا ﷺ على رعايتِهِ وكفالتِهِ حيثُ قالَ: " أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى". (البخاري)، قال ابنُ عبدِ البرِّ:" في هذا الحديثِ فضلٌ عظيمٌ في كافلِ اليتيمِ وضمِّهِ إلى بنيهِ ومائدتِهِ، وأنفقَ عليهِ مِن طولِهِ، نالَ ذلكَ، وحسبُكَ بهَا فضيلةٌ وقربةٌ مِن منزلِ النبيِّ ﷺ في الجنةِ، فليس بينَ الوسطَى والسبابةِ في الطولِ ولا في اللصوقِ كثير، وإنْ كان نسبةُ ذلكَ مِن سعةِ الجنةِ كثير". (الاستذكار). وقال ابنُ بطّالٍ:" حقٌّ على كلِّ مؤمنٍ يسمعُ هذا الحديثَ أنْ يرغبَ في العملِ بهِ ليكونَ في الجنةِ رفيقًا للنبيِّ ﷺ ولجماعةِ النبيينَ والمرسلينَ - صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين - ولا منزلةَ عندَ اللهِ في الآخرةِ أفضلُ مِن مرافقةِ الأنبياءِ."(شرح البخاري). وإذا كان الإسلامُ قد رغّبَ في كفالةِ اليتيمِ وإعطائِهِ حقوقَهُ؛ ففي مقابلِ ذلكَ رهَّبَ مِن أكلِ مالِ اليتيمِ أو هضمِ حقوقِهِ بأيِّ وسيلةٍ كانت، بل عُدَّ أكلُ مالِ اليتيمِ مِن الكبائرِ المهلكاتِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: " الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ".(متفق عليه). وقد جعلَ النبيُّ ﷺ حقَّ الضعيفينِ: اليتيمَ والمرأةَ مِن أولَى الحقوقِ بالرعايةِ والعنايةِ، فعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:" اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: حَقَّ الْيَتِيمِ، وَحَقَّ الْمَرْأَةِ".
ولنا النبي - صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى والقدوة الحسنة حيث نشأ يتيما كان النبيُّ ﷺ قد نشأَ يتيمًا، بيَّنَ اللهُ بأنّهُ قد أنعمَ عليهِ، وكفلَهُ، وأغناهُ، فقالَ: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} [الضحى: 6 - 8]. فهناك من العظماء الذين كانت نشأتهم في ظل ظروف عصيبة لأنهم كانوا يتامى ولكنهم صنعوا لنا المجد ومن هؤلاء أحمدُ بنُ حنبلٍ رحمَهُ اللهُ: كان يتيمًا، تُوفِيَ أبوهُ وعمرهُ ثلاثُ سنواتٍ، فمَن الذي اعتنَى بهِ؟ إنّهَا أمُّهُ، فقد حفظَ القرآنَ وعمرُهُ عشرُ سنينَ، هذا الإمامُ اليتيمُ أعزَّ اللهُ بهِ الأمةَ حين وقعت المحنةُ، فكان عظيمًا.
ومنهم الإمامُ الأوزاعيُّ رحمَهُ اللهُ: كان يتيمًا في حجرِ أُمِّهِ، تنقُلُه مِن بلدٍ إلى بلدٍ ليتعلمَ، حتى بلغَ مِن العلمِ مبلغًا عظيمًا. ومنهم: الإمامُ البخاريُّ رحمَهُ اللهُ: حبرُ الإسلامِ، صاحبُ أصحِّ كتابٍ على وجهِ الأرضِ بعدَ كتابِ اللهِ، وُلِدَ في بخارى، ونشأَ يتيمًا. ومنهم: الحافظُ ابنُ حجرِ العَسْقلانِي رحمَهُ اللهُ: نشأَ الحافظُ ابنُ حجرٍ يتيمًا، ماتَ أبوهُ، وماتتْ أمُّهُ قبلَ ذلكَ وهو طفلٌ. ومنهم: الإمامُ ابنُ الجوزِي رحمَهُ اللهُ: كان أولُ مجلسٍ يتكلمُ فيهِ ابنُ الجوزِي على المنبرِ يعِظُ الناسَ وعمرُهُ إذ ذاكَ ثلاثَ عَشْرةَ سنةً، وكان يومًا مشهودًا، صاحبُ التصانيفِ الغزيرةِ، قال الحافظُ شمسُ الدينِ الذهبي: "وما علمتُ أحدًا مِن العلماءِ صنَّفَ ما صنَّفَ هذا الرجل، مات أبوهُ وله ثلاثُ سنينَ، فربَّتْهُ عمتُهُ، وأقاربُهُ"؛ وحضرَ مجلسَهُ ملوكٌ ووزراءٌ، بل وخلفاءٌ، ويُقالُ في بعضِ المجالسِ: حضرَهُ مائةُ ألفٍ. لذلك جعل النبي - صلى الله عليه وسلم- جوائز طيبة لمن اعتنى باليتيم وما أجمل أن الجائزة الطيبة صحبةُ الرّسولِ ﷺ في الجنّةِ: " أنَا وكافلُ اليتيمِ في الجنةِ كهاتينِ"، وكفَى بذلكَ شرفًا وفخرًا. كما كفالةَ اليتيمِ والمسحَ على رأسِهِ وتطييبَ خاطرِهِ يرقّقُ القلبَ ويزيلُ عنهُ القسوة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ:" امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ".
اللهم بلغ بنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
التوكل على الله، مفتاح الرضا والنجاح في الدنيا والآخرة
04 مارس 2025 12:41 ص
الأكثر قراءة
-
الشيخ خالد حسن يكتب.. فأما اليتيم فلا تقهر
-
إعادة تشكيل المجلس الاستشاري للاستثمار بالهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي .. واختيار البطران عضوا
-
الإسكان تجهز لطرح وحدات سكنية بنظام الإيجار لتلبية احتياجات المواطنين
-
النائب وليد خطاب: جولات الرئيس السيسي الخليجية ترسخ دور مصر كقوة حاسمة في المنطقة
-
رئيس زراعة الشيوخ: توجيهات الرئيس بإحالة المتلاعبين بالأسعار للقضاء العسكري رسالة قوية لضبط الأسواق
ما توقعاتك لنتيجة مباراة منتخب مصر والسعودية الودية؟
-
فوز منتخب مصر
-
فوز منتخب السعودية
-
تعادل الفريقين
أكثر الكلمات انتشاراً