الشيخ خالد حسن يكتب.. إتقان العمل بين الواقع والأمل
الجمعة، 01 مايو 2026 01:44 م
الشيخ خالد حسن
إسلام محمد
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى ،، وبعد ..
إنَّ قيمةَ إتقانِ العملِ في الإسلامِ قيمةٌ عليا، يجبُ مراعاتُها في السلوكِ الاقتصاديِّ، وخاصةً في عمليةِ الإنتاجِ، كما أن قيمةُ إتقانِ العملِ تُوصلُ العبدَ إلى محبةِ اللهِ تعالى، فعن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يحبُّ إذا عملَ أحدُكم عملًا أن يُتقنَهُ» فإنَّ العبرةَ ليستْ بكثرةِ العملِ وإنما بإتقانِهِ، يقولُ وُهَيبُ بنُ الوَرْدِ: “لا يكنْ همُّ أحدِكم في كثرةِ العملِ، ولكنْ ليكنْ همُّهُ في إحكامِهِ وتحسينِهِ، فإنَّ العبدَ قد يُصلِّي وهو يعصي اللهَ في صلاتِهِ، وقد يصومُ وهو يعصي اللهَ في صيامِهِ”
فالمسلمُ مطالبٌ بالإتقانِ في كلِّ عملٍ؛ لأنَّ كلَّ عملٍ يقومُ بهِ المسلمُ بنيَّةِ العبادةِ هو عملٌ مقبولٌ عندَ اللهِ يُجازى عليهِ، سواءٌ كانَ عملَ دنيا أم آخرةٍ؛ وكونُنا مسلمينَ فنحنُ مطالبونَ بالإتقانِ في كلِّ عملٍ تعبديٍّ أو سلوكيٍّ أو حياتيٍّ، قالَ تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 162). واعلم أخي الكريم أن هناكَ انفصامًا وانفصالًا كبيرًا بينَ الواقعِ والأملة في إتقانِ العملِ؛ فتجدُ أنَّ الفردَ يعملُ بجدٍّ وإخلاصٍ وجودةٍ وإتقانٍ إذا كانَ يعملُ لنفسِهِ؛ أمَّا إذا كانَ يعملُ في شركةٍ أو وظيفةٍ أو مؤسسةٍ أو وزارةٍ فإنَّهُ لا يُبالي بعملِهِ، وإنْ شغلَهُ الشاغلُ التوقيعُ في دفترِ الحضورِ والانصرافِ (شاهدِ الزورِ)؛ ولا يهمُّهُ بعدَ ذلكَ جودةٌ أو خدمةٌ أو إتقانٌ أو قيامُ مجتمعٍ أو سقوطُهُ أو مراقبةٌ أو غيرُ ذلكَ. ولا ترض للآخرينَ ما لا ترضاهُ لنفسِكَ .. أنَّ هناكَ رجلًا بنَّاءً يعملُ في إحدى الشركاتِ لسنواتٍ طويلةٍ؛ فبلغَ بهِ العمرُ أن أرادَ أن يُقدِّمَ استقالتَهُ ليتفرغَ لعائلتِهِ؛ فقالَ لهُ رئيسُهُ: سوفُ أقبلُ استقالتَكَ بشرطٍ أن تبنيَ منزلًا أخيرًا؛ فقبلَ رجلُ البناءِ العرضَ، وأسرعَ في تخليصِ المنزلِ دونَ تركيزٍ وإتقانٍ، ثم سلَّمَ مفاتيحَهُ لرئيسِهِ؛ فابتسمَ رئيسُهُ وقالَ لهُ: هذا المنزلُ هديةٌ مني لكَ بمناسبةِ نهايةِ خدمتِكَ للشركةِ طولَ السنواتِ الماضيةِ؛ فصُدِمَ رجلُ البناءِ، وندمَ بشدةٍ أنَّهُ لم يُتقنْ بناءَ منزلِ العمرِ. نتيجة ذلك الأمر أننا قد نرضى للآخرين ما لا نرضاه لأنفسنا ، وأسوق لكم مثالًا قد ينبهنا إلى أمر هام وللأسف هذا ما نحن فيه ، يُحكى أنَّهُ حدثتْ مجاعةٌ بقريةٍ؛ فطلبَ الوالي من أهلِ القريةِ طلبًا غريبًا كمحاولةٍ منهُ لمواجهةِ خطرِ القحطِ والجوعِ؛ وأخبرهم بأنَّهُ سيضعُ قدرًا كبيرًا في وسطِ القريةِ؛ وأنَّ على كلِّ رجلٍ وامرأةٍ أن يضعَ في القدرِ كوبًا من اللبنِ بشرطِ أن يضعَ كلُّ واحدٍ الكوبَ متخفيًا دونَ أن يُشاهدهُ أحدٌ؛ فهرعَ الناسُ لتلبيةِ طلبِ الوالي؛ فكلٌّ منهم تخفَّى بالليلِ وسكبَ الكوبَ الذي يخصُّهُ؛ وفي الصباحِ فتحَ الوالي القدرَ... وماذا شاهدَ؟! شاهدَ القدرَ وقد امتلأ بالماءِ!! أينَ اللبنُ؟! ولماذا وضعَ كلُّ واحدٍ من الرعيةِ الماءَ بدلًا من اللبنِ؟!
الإجابةُ: أنَّ كلَّ واحدٍ من الرعيةِ قالَ في نفسِهِ: "إنَّ وضعي لكوبٍ واحدٍ من الماءِ لن يُؤثِّرَ على كميةِ اللبنِ الكبيرةِ التي سيضعُها أهلُ القريةِ"، وكلٌّ منهم اعتمدَ على غيرِهِ، وكلٌّ منهم فكَّرَ بالطريقةِ نفسِها التي فكَّرَ بها أخوهُ، وظنَّ أنَّهُ هو الوحيدُ الذي سكبَ ماءً بدلًا من اللبنِ، والنتيجةُ التي حدثتْ: أنَّ الجوعَ عمَّ هذهِ القريةَ، وماتَ الكثيرونَ منهم، ولم يجدوا ما يُعينُهم وقتَ الأزماتِ.
هذه القصة تحكي الواقع الذي نحن فيه من أزمات ، هلْ تُصدِّقُ أنَّكَ تملأُ الأكوابَ بالماءِ في أشدِّ الأوقاتِ التي نحتاجُ منك أن تملأَها باللبنِ؟! عندما لا تُتقنُ عملَكَ بحجةِ أنَّهُ لن يظهرَ وسطَ الأعمالِ الكثيرةِ التي سيقومُ بها غيرُكَ من الناسِ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تملكُ العلمَ وتبخلُ بهِ عن الآخرينَ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تبيعُ للناسِ الوهمَ والخزعبلاتِ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تُطلقُ على نفسِكَ الألقابَ المزيَّفةَ بدونِ حقٍّ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تُعلِّمُ الآخرينَ فضائلَ أنتَ لا تملكُها ولا تعملُ بها فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تعمدُ لزرعِ الفتنِ وسطَ المجتمعِ من أجلِ مصالحِكَ الشخصيةِ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تسفكُ دماءَ الأبرياءِ بغيرِ حقٍّ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! حين تهدمُ الكفاءاتِ والقدراتِ وتضعُ الحُسالى والكسالى في مناصبِ القيادةِ فأنتَ تملأُ الكوبَ بالماءِ! إنَّنا في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى إتقانِ العملِ، وخاصةً في عصرٍ ضاعتْ فيهِ القيمُ، واختلطَ الحابلُ بالنابلِ، وضاعتِ الثقةُ بينَ الناسِ، والعاملُ لا يهمُّهُ إلا جمعُ المادةِ وتعدادُ ساعاتِ العملِ دونَ النظرِ إلى جودةٍ أو إتقانٍ. فراقبوا الله في أعمالكم ولا تتوانوا في تقديم ما هو يفيد بلدنا ومجتمعنا من خير ورخاء ..
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا..
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
التوكل على الله، مفتاح الرضا والنجاح في الدنيا والآخرة
04 مارس 2025 12:41 ص
الأكثر قراءة
-
الشيخ خالد حسن يكتب.. إتقان العمل بين الواقع والأمل
-
النائب أشرف مرزوق: البرنامج الوطني للسيارات يغير خريطة الصناعة ويضع مصر في قلب المنافسة الإقليمية
-
حدث أكاديمي دولي.. جامعة النهضة تطلق مؤتمرها العلمي الثاني لاستشراف مستقبل الأعمال والاستدامة
-
النائب أشرف مرزوق: تطوير منظومة الإنارة ضمن مبادرة "عين شمس هتنور" لتحسين جودة الحياة
-
تشكيل منتخب مصر المتوقع أمام السعودية الودية، هيثم حسن بديل محمد صلاح
ما توقعاتك لنتيجة مباراة منتخب مصر والسعودية الودية؟
-
فوز منتخب مصر
-
فوز منتخب السعودية
-
تعادل الفريقين
أكثر الكلمات انتشاراً