الشيخ خالد حسن يكتب.. ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
السبت، 07 فبراير 2026 07:48 م
الشيخ خالد حسن
إسلام محمد
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي.. وبعد..
إن الدعوةُ إلى اللهِ بالحكمةِ تعني: وضعَ الأمورِ في مواضعِها. أي مراعاةَ مقتضى الحالِ والزمانِ والمكانِ والمدعوينَ، ولهذا كان النبيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُ أصحابَهُ بالموعظةِ مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ؛ بِحَسَبِ الحاجةِ والضَّرورةِ، مُراعِيًا في ذلك نَشَاطَهم؛ فعَنْ شَقِيقٍ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ رضيَ اللهُ عنهُ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشْتَهِيهِ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّكَ حَدَّثْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ، كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا». قال الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ تعالى: "يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنْ يَدْعُوَ الْخَلْقَ إِلَى اللَّهِ {بِالْحِكْمَةِ}. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهُوَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ {وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} أَيْ: بِمَا فِيهِ مِنَ الْزَّوَاجِرِ وَالْوَقَائِعِ بِالنَّاسِ ذَكَّرَهُمْ بِهَا، لِيَحْذَرُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعَالَى". ولا بد أحوالِ الدعوةِ بالموعظةِ، وأن تكونَ حسنةً في كلِّ شيءٍ، في الألفاظِ والأداءِ والطريقةِ أثناءَ مخاطبةِ الناسِ. قال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}. (طه: ٤٤)، يقول الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: "هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ أَنَّ فِرْعَوْنَ فِي غَايَةِ العتو والاستكبار، وَمُوسَى صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ إِذْ ذَاكَ، ومع هذا أُمِرَ أن لا يُخَاطِبَ فرعونَ إلاّ بالملاطفةِ واللينِ". (تفسير ابن كثير). "وَلَمَّا قَرَأَ رَجُلٌ هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ بَكَى وَقَالَ: إِلَهِي هَذَا رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنَا الْإِلَهُ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنْتَ الْإِلَهُ؟!". فالدعوةُ إلى اللهِ تعالى تحتاجُ إلى لينٍ ورفقٍ. فعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ». (مسلمٌ). وهذا الخليلُ إبراهيمُ عليهِ السلامُ، بدأَ بأقربِ الناسِ إليهِ، بدأَ بأبيهِ، ومع شدّةِ الخلافِ العقديِّ خاطبهُ بأرقِّ خطابٍ، قال تعالى: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} [مريم: 42]. قال الإمامُ الرازيُّ رحمهُ اللهُ: «إِنَّهُ عليهِ السلامُ أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ الْحَسَنَ مَقْرُونًا بِاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي مُقَدِّمَةِ كُلِّ كَلَامٍ يَا أَبَتِ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ الْحُبِّ وَالرَّغْبَةِ فِي صَوْنِهِ عَنِ الْعِقَابِ وَإِرْشَادِهِ إِلَى الصَّوَابِ، وَأَنَّ الْهَادِيَ إِلَى الْحَقِّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ رَفِيقًا لَطِيفًا». أمّا إن كانت الدعوةُ إلى اللهِ تعالى فيها غلظةٌ وجفاءٌ فإنها لا تؤتي ثمارَها المرجوّةَ، بل تأتي بنتيجةٍ عكسيّةٍ، وقد تؤدي بصاحبِها إلى النارِ وبئسَ القرارِ! فعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا، أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ». وقال رجلٌ للرشيدِ: يا أميرَ المؤمنينَ! إنّي أريدُ أن أعظَكَ بعظةٍ فيها بعضُ الغلظةِ فاحتملْها. قال: كلا، إنَّ اللهَ أمرَ مَن هو خيرٌ منك بإلانةِ القولِ لمن هو شرٌّ منّي، قال لنبيِّه موسى إذ أرسلهُ إلى فرعونَ: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}. (طه: 44). وصدقَ اللهُ تعالى القائلُ لنبيِّهِ ﷺ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}. (آل عمران: 159). وهذا الفتى الذي أراد الرخصة في الزنا والعياذ بالله. فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : " إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا ، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا : مَهْ . مَهْ . فَقَالَ: ادْنُهْ ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا . قَالَ : فَجَلَسَ قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ : وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ . قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ ؟ قَالَ: لَا. وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ . قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ ؟ قَالَ: لَا . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ . قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ . قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟ قَالَ: لَا . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ. قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ" .( أحمد والطبراني والبيهقي).
فقد احتوى هذا الموقفُ على أسلوبِ الحكمةِ والرفقِ في الدعوةِ والتربيةِ، وظهر ذلك في: (اُدْنُهْ)، (فدنَا منهُ قريبًا). بالإضافةِ إلى الإقناعِ بالأسلوبِ العقليِّ بقولِه: (أتحبُّهُ لأمِّكَ؟)، (أفتحبُّهُ لابنتِكَ؟).
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وبلغ بنا.
نسخ الرابط للمقال
آخبار تهمك
التوكل على الله، مفتاح الرضا والنجاح في الدنيا والآخرة
04 مارس 2025 12:41 ص
الأكثر قراءة
-
حمدي السيد يكتب.. التوكاتسو والتجربة اليابانية 2
-
الشيخ خالد حسن يكتب.. ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
-
النائب محمد الشويخ: فوز “حياة كريمة” بجائزة دبي الدولية شهادة عالمية على نجاح التجربة التنموية المصرية
-
النائب ياسر الحفناوي: المبادرة الرئاسية لقوائم الانتظار تعكس تعزيز حقوق الإنسان
-
النائب أحمد الجبيلي: إطلاق عيادات لعلاج إدمان الإنترنت ضرورة لمواجهة التحديات الرقمية الحديثة
من تتوقع أن يفوز ببطولة السوبر المصري؟
-
الأهلي
-
الزمالك
أكثر الكلمات انتشاراً